قد لا ينتبه كثير من الناس إلى أن اللوز والخوخ والمشمش والبرقوق أقرب لبعضهم مما نتخيل. نحن عادة نعامل كل شجرة وكأنها عالم منفصل، لكن علمياً هذه الأشجار تنتمي إلى مجموعة واحدة تُعرف باللوزيات ضمن عائلة Prunus، ولهذا السبب يمكن تطعيمها مع بعضها بنجاح في كثير من الحالات. الفكرة ليست سحرية كما تبدو، بل تعتمد على تشابه الأنسجة النباتية، فعندما يكون الأصل والطُعم من نفس العائلة تقريباً تستطيع الشجرة أن “تتقبل” الجزء الجديد وتكمل النمو بشكل طبيعي تقريباً (1)
الكثير من المزارعين في المنطقة العربية يعرفون التطعيم من باب الخبرة أكثر من الشرح العلمي، خصوصاً عند الحديث عن تطعيم اللوز أو تطعيم الخوخ أو حتى تطعيم المشمش في الحدائق المنزلية. أحياناً تكون التربة قاسية أو جافة، وأحياناً تكون الشجرة نفسها ممتازة الجذور لكنها لا تعطي الثمار المطلوبة، وهنا يظهر التطعيم كحل عملي يجمع صفات شجرتين في نبتة واحدة. جذور قوية من جهة، وثمرة مرغوبة من جهة أخرى، وكأنك تعطي كل شجرة ما ينقصها بدون أن تبدأ الزراعة من الصفر (2). مثال على ذلك تطعيم شجر اللوز المُر، حيث يتميّز بجذور قويّة جداً و مقاومة الأمراض فعندما نستعمل التطعيم لثمرة حلوة سنمتلك شجرة ذات جذور قوية و ثمر حلو.
تطعيم اللوزيّات: الحالات الشائعة

تطعيم اللوز على الخوخ: من أكثر الحالات شيوعاً، لأن جذور الخوخ تتحمل أنواعاً مختلفة من التربة وتساعد على استقرار النمو، خصوصاً في الأراضي التي تحتفظ بالرطوبة أكثر من اللازم. في المقابل، يحدث أحياناً تطعيم الخوخ على أصل لوزي في المناطق شبه الجافة لأن شجرة اللوز بطبيعتها تتحمل العطش بشكل أفضل، وهذا يجعلها خياراً مناسباً للمناخات الحارة التي يعاني فيها الخوخ وحده (3).
تطعيم المشمش على البرقوق: المشمش أيضاً يدخل في هذه العلاقات النباتية بسهولة نسبية، وغالباً ما يتم تطعيم المشمش على البرقوق لتحسين مقاومة الأمراض المرتبطة بالتربة. البرقوق معروف بمرونته وقدرته على التكيف، لذلك يمنح المشمش بداية أقوى مما لو زُرع مباشرة من بذرة. وبعض المشاتل تعتمد هذا الأسلوب تحديداً لتقليل خسارة الشتلات في السنوات الأولى (4).
تطعيم أكثر من نوع: ومن التجارب التي تثير الفضول عند هواة الزراعة فكرة تطعيم أكثر من نوع فاكهة على نفس الشجرة. قد ترى شجرة واحدة تعطي خوخاً ومشمشاً وربما برقوقاً في مواسم متقاربة، والسبب ببساطة هو تنفيذ عدة عمليات تطعيم ناجحة على نفس الأصل مع مرور الوقت. ليست طريقة تجارية دائماً، لكنها ممتعة جداً في الحدائق الصغيرة حيث المساحة محدودة والرغبة في التجربة كبيرة.
طرق التطعيم الشائعة

أما طرق التطعيم نفسها فهي ليست معقدة كما يتخيل البعض. التطعيم بالقلم هو الأكثر انتشاراً، حيث يتم شق ساق الأصل وإدخال فرع صغير ثم تثبيته حتى تلتحم الطبقات الداخلية. هناك أيضاً التطعيم بالعين، وهو شائع جداً في المشاتل الزراعية لأنه يعتمد على برعم واحد فقط ويعطي نتائج جيدة عندما يتم في الوقت المناسب من السنة. بعض المزارعين يفضلون التطعيم الجانبي خاصة عندما تكون الشتلة صغيرة لأن الشجرة تستمر بالنمو دون توقف واضح (5).
الهدف من تطعيم أشجار اللوزيات ليس دائماً زيادة كمية الإنتاج كما يُشاع. في كثير من الأحيان الهدف الحقيقي هو تسريع الإثمار، لأن الأشجار المزروعة من البذور قد تحتاج سنوات طويلة قبل أن تنتج، بينما الأشجار المطعمة تبدأ بالإثمار خلال فترة أقصر. كذلك يساعد التطعيم على تحسين جودة الثمار، التحكم بحجم الشجرة لتناسب الحدائق المنزلية، وزيادة قدرتها على تحمل الجفاف أو بعض الأمراض المنتشرة في التربة (6).
نجاح التطعيم يعتمد على تفاصيل صغيرة أكثر مما يعتمد على نوع الشجرة نفسها. تقارب سماكة الأفرع، اختيار موسم مناسب مثل نهاية الشتاء أو بداية الربيع، واستخدام أدوات نظيفة كلها عوامل تصنع الفرق. أحياناً تنجح تطعيمة وتفشل أخرى على نفس الشجرة، وهذا طبيعي جداً ولا يعني أن الطريقة خاطئة، بل أن النبات كائن حي يتفاعل بطريقته الخاصة مع الظروف المحيطة.
مواضيع قد تهمّك: نبتة واحدة تنتج صنفي خُضار! تطعيم البطاطا والطماطم, كيف يكون؟